تتالت خيباتهم.. فهل يتوقّف عبثهم؟!

       منحت الأغلبية البرلمانية الثقة مساء الثلاثاء 26 جانفي 2021 لكافّة الوزراء المقترحين من رئيس الحكومة هشام مشيشي في تعديل حكومي شمل 11 حقيبة. ونجحت بالتوازي قوات الأمن الجمهوري بحرفية عالية في إحباط ما تمّ التخطيط له والتحشيد غير المسبوق، لمهاجمة مقر مجلس نواب الشعب بالمناسبة، استنساخا لما حصل بالكابيتول في أمريكا. فتأمين مقرات السيادة بباردو، على غرار قصري قرطاج والقصبة من صميم مهام قوات الأمن. وكان الفشل المضاعف قاسيا على من وضعوا كلّ بيضهم في آخر معاركهم على ما يبدو في محاولة الانقلاب على الشرعية انتخابية مؤكدة، استنادا إلى شرعيات أخرى مزعومة لا تقنع غير أصحابها. فقد فشلت محاولات تعطيل الجلسة العامة المخصصة لمنح الثقة، أو التأثير السلبي على اتجاهات التصويت، من خلال أدوار بعض النواب داخل البرلمان، ممّن احترفوا هذه الأدوار. كما فشل العمل على الإرباك الخارجي للمجلس من خلال التحشيد للغاضبين تحت مختلف العناوين وبكل الطرق، وحضور رموز الفشل الانتخابي من وزراء سابقين ورؤساء أحزاب، تراودهم الطفولية اليسارية في استعادة مواقع لهم في المشهد السياسي بشهوة “الثورة الثانة”. فهل تكون الخيبة المدوّية ليوم 26 جانفي 2021 مؤشّر نهاية عبث بعض الأطراف بمصالح البلاد والعباد؟ وهل يشكل التحوير الوزاري منعرجا في تحسين الأداء الحكومي واستعادة بلادنا لعافيتها؟

       شاءت الأقدار أن تنعقد الجلسة العامة لتعديل حكومة الفاتح من سبتمبر يوم 26 جانفي، في سياق وطني بالغ الدلالة زمانا وأحداثا. فيوم 26 جانفي 2021 تتواصل الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالتنمية والتشغيل والغاضبة من تخلّف المنجز الاقتصادي والاجتماعي مقارنة بالمنجز السياسي، في عشرية ثورة الحرية والكرامة. وهي مطالب مشروعة ندعمها وندعو إلى حسن الاستماع لمطالبها والتفاعل الإيجابي معها. وكانت كلمتا رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي في افتتاح الجلسة، ورئيس الحكومة هشام مشيشي في شرح أسباب التعديل الوزاري، معبرتين عن هذا المعنى وواعدتين بالتدارك والإصلاح وتحسين الأداء.

       وإذ تبدو ظاهرة الاحتجاج طبيعية في أصلها، ومفهومة في سياقها، من زاوية أنّ الثورة حرّرت الناس وفتحت حرية التعبير على مصارعها أوّلا، وهي بهذا المعني إحدى تجليات الديمقراطية التي جاءت بها الثورة. وثانيا لأنّ الديمقراطية كما هو معلوم تعطي فرصة لأفضل الحلول الممكنة لكنها لا تأتي بالحلول التي ترضي الجميع. وعلى هذا الأساس لا خوف من الظاهرة الاحتجاجية ولا حجّة للمتبرّمين منها في التحريض عليها، ولا دلالة سياسية لها على أزمة الحكم، فلكلّ حكم مهما كان الماسكون بالسلطة، أنصاره ومعارضوه، والراضون به والمحتجون عليه.

       فإنّ ممّا يضفي قيمة إضافية على التحشيد لاحتجاجات 26 جانفي 2021 وما قبلها، أنها تتزامن مع ذكرى أحداث 26 جانفي 1978، المعروف بالخميس الأسود،  التي قادها نقابيو  الاتحاد العام التونسي للشغل، عنوان الدفاع عن المقدرة الشرائية للشغالين والدفاع عن مصالحهم، وواجهها نظام الاستبداد والحكم الفردي والمليشيات بالرصاص الحي، وسقط خلالها مآت الشهداء من النقابيين وعموم المواطنين. وشتان بين تونس الأمس وتونس الحاضر والمستقبل.

       ولعلّ الدلالة الرمزية تتكثّف أكثر باستحضار يوم 26 جانفي 2014، يوم انبثاق الجمهورية الثانية والمصادقة على دستور الثورة، الذي أقرّ من خلاله النوّاب المؤسسون نظاما شبه برلماني، وضمّنوه الحقوق والحريات الأساسية، ووزّعوا فيه السلطة مركزيا وأفقيا، ووضعوا هيئات دستورية للرقابة والتعديل. وكم ندرك اليوم أهمية ما حصل، حين  نعاين استمرار الذهنية الرئاسوية والانفلات الحاصل في الأقوال والقرارات في قرطاج.

       تمّت المصادقة على التحوير الوزاري بأغلبية مريحة فاقت التوقّعات. ولم تنجح حملات إعلامية موجّهة، وأجندات بعض جمعيات المجتمع المدني، ورسائل رئيس الجمهورية في اجتماع مجلس الأمن القومي عشية جلسة منح الثقة، وضغوطات بعض نواب المعارضة تحت قبة البرلمان، وسيناروات الإرباك من خارجه، لم ينجحوا جميعا في إفشال التحوير وإضعاف المشيشي كليا أو جزئبا والحزام السياسي لحكومته. وكانت خيبة جديدة قاسية ومدوّية، لمن يتقاطعون مع أجندات خارجية، في استهداف المسار الديمقراطي لتونس ما بعد الثورة. فقد فشلت مخططاتهم وخابت آمالهم أمام المتابعين، في إدّعائهم حلّ البرلمان وإسقاط المنظومة السياسية القائمة. خابوا في غرة جوان مع دعم إعلامي وتحريض خارجي فاضح. وخابوا في عيد الجمهورية يوم 25 جويلية. وخابوا في 17 ديسمبر 2020 وفي 14 جانفي 2021 بمناسبة عشرية ثورة الحرية والكرامة.

       تبيّن بوضوح أنّ الموجوعين اجتماعيا والغاضبين على الحكومات المتعاقبة وعلى الطبقة السياسية برمّتها، لن يستجيبوا في أغلبيتهم الساحقة لدعوات الفوضويين ولا لمغامرات الطفولية اليسارية، ولا يثقون بمن يتاجرون بآلامهم من بقايا منظومة الاستبداد والفساد التي قامت الثورة ضدها. وتأكد أنّ “الثورة الثانية” المزعومة، لن تكون إلا ثورة مضادة، بما في ذلك من ظننّاها خطأ ثورة عبر صناديق الاقتراع. ولكن مهما تعدّدت خيبات المتنكّرين لنتائج الانتخابات والمحرّضين على الهيئات الشرعية، فإنّ غضب الموجوعين ممن طالت انتظاراتهم من الثورة تظل حقيقة ماثلة أمام الممسكين بالسلطة والقائمين على شؤون الدولة.

       مع الأسف أقول أنّ الموتورين من النواب، وهم عدد قليل والحمد لله،  الذين تقيّؤوا في جلسة يوم 26 جانفي 2021 أسوأ ما يداخلهم، وصبّوا جام أحقادهم وأفرغوا شحنات خبباتهم، على رئيس البرلمان ورئيس الحكومة وعلى زملائهم من نواب الأحزاب والكتل المساندة للحكومة، هؤلاء الموتورون، أرسلوا مرة أخرى أسوأ صورة عن مجلس نواب الشعب، لكنهم فشلوا في تحقيق أجندتهم. فالعبرة بالنتائج في السياسة كما في الرياضة. إذ تجدّدت ثقة الأغلبية في الحكومة، التي قطعت خطوة هامة على طريق توازنها وانسجامها ومزيد نجاعتها. حتى تكون حكومة إنجاز فعلا لا قولا، وحتى يصير المشيشي كما ينص الدستور رئيسا للحكومة وليس وزيرا أول لدى رئبس الجمهورية كما أريد له عند تكليفه.

        ويبقى عبىء المسؤولية على حكومة المشيشي،  أن تبدأ فعلا إنفاذ الإصلاحات المتأكّدة التي أشار  في كلمته الافتتاحية إلى بعض عناوينها، على غرار تحقيق الانتقال الرقمي وتحسين أداء الإدارة والمرافق العمومية، والانتقال الطاقي في المحافظة على البيئة، ومراجعة سياسة الدعم وتوجيهه لمستحقيه فقط، وإعادة حوكمة المنشآت والمؤسسات العمومية دون خطوط حمراء بما يحسّن أداءها، وغيرها من الإصلاحات المطلوبة لوقف نزيف المالية العمومية وإعادة توازنها واستعادة الاقتصاد لعافيته بعودة الإنتاج ومحركات التنمية إلى معدّلاتها المرجوّة وتحسين عيش التونسيين وإسعادهم.  وكلّما التزمت الحكومة نهج الإصلاح وجدت مزيدا من الدعم وتوسّع حزامها السياسي. لكن يبقى أيضا سؤال هل يفضي درس الخيبات المتتالية إلى أن يتوقّف بالتوازي العبث بمصالح البلاد والعباد بادّعاء الديمقراطية قولا والتنكر لها فعلا، وتعمّد تعطيل الإنتاج، وإرباك المسؤسسات وتشتيت جهود قوات الأمن وخدمة أجندات الثورة المضادة؟

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 191، تونس  في  28 جانفي 2021   

  

    0 Comments

    No Comment.