بين الاستهداف وضعف الأداء: دفاعا عن البرلمان التونسي

        مرّة أخرى تجدّدت الرسائل السلبية التي يبعث بها مجلس نواب الشعب من خلال الجلسات العامة المنقولة على المباشر. فمهما كانت الاختلافات والدوافع، ومهما كان المصدر، فإنّ مظاهر الفوضى ومحاولات التعطيل والإخلال بآداب الحوار، تلقى سخطا من الجمهور الواسع. ومهما كانت أجندات الكتل في الحكم أو في المعارضة، فإنّ تضييع مصالح التونسيين غير مقبول، على غرار ما حصل مؤخرا في سقوط مشروع القانون الأساسي المتعلق بالموافقة على “الاتفاق المؤسس لمنطقة التجارة الحرة القاريّة الإفريقية”، بسبب مناورات في التصويت أو غيابات ملحوظة. وإن كنّا نرفض تبرير الأخطاء الفادحة ونقرّ بالارتباك وضعف الأداء في انطلاقة الفترة النيابية الجديدة، فإنّنا لا نغفل عن أجندات استهداف مجلس نواب الشعب من جهات عديدة داخلية وخارجية، نحاول كشف خلفيات بعضها وتجلية الصورة في حقيقة ما يحدث، دفاعا عن برلمان تونسي، يخلّد عيد الشهداء تضحيات الوطنيين من أجله منذ عقود.

        فمن مفاخر الحركة الوطنية التونسية ودلالاتها الرمزية أن ارتبط عيد الشهداء بذكرى 9 أفريل 1938 التي خرج فيها الوطنيون رافعين لا فتات “برلمان تونسي”، في وجه المحتلّ، وسقط من بينهم عدد هام من الشهداء والجرحى. كما ارتبط اسم الحزب الذي قاد الكفاح الوطني وتزعّم بناء دولة الاستقلال ب”الدستور”.(الحزب الدستوري). وحين انحرف النظام السياسي عن دستور 1959 ومقتضيات الجمهورية، واتخذ منحى الحكم الرئاسوي، ظلّت أجيال المعارضين لحُكمي بورقيبة وبن علي من بعده، من أيديولوجيات مختلفة، تراكم النضال من أجل نظام جديد يقطع مع الحكم الفردي الاستبدادي. وهذا ما تمّ بعد ثورة الحرية والكرامة سنة 2011 من خلال دستور الجمهورية الثانية 2014 الذي حظي بموافقة تقترب من الإجماع في المجلس الوطني التأسيسي. وكان توزيع السلطة بين قرطاج والقصبة وباردو، في نظام شبه برلماني، والتنصيص في الدستور على رئيس للجمهورية ورئيس للبرلمان ورئيس للحكومة، علاوة على رئيس للمجلس الأعلى للقضاء ورئيس للمجلس الأعلى للجماعات المحلية، من أهمّ مؤشرات الانتقال الديمقراطي في الحكم الجديد. فالدستور يوزّع السلطات مركزيا ومحليا، ويمنحها الاستقلالية الفعلية ويضبط الاختصاصات والصلاحيات بما يضمن استقلاليتها وتكاملها، دون تصادمها أو المسّ من وحدة الدولة.

        ولا نتحامل على أحد حين نقول بأنّ الذين اكتووا بنار الاستبداد والحكم الفردي قبل الثورة، وشكّلوا الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، كانوا الأكثر حرصا على استبدال النظام الرئاسي بنظام “شبه برلماني”، ومنحوا مجلس نواب الشعب صلاحيات هامة بما يجعله سلطة تشريعية ورقابية في آن. فالبرلمان  يبقى العنوان الأبرز لسيادة الشعب. ورغم عدم اكتمال تنزيل فصول الدستور، بإرساء المحكمة الدستورية وانتخاب الهيئات الدستورية المستقلة وإنجاز بقية مراحل الحكم المحلّي، فقد  تعدّدت الدعوات إلى تعديل الدستور في ضوء التجربة وما كشفته من نواقص، وهذا أمر مشروع حين يستكمل شروطه القانونية.

         لكن الذي يجب الانتباه إليه هو التمييز بين دعوات تعديل الدستور، ودعوات نقض دستور 2014 واستبداله بتغيير جوهري في النظام السياسي يمسّ أحد أهمّ أغراضه في الحدّ من الحكم الفردي. وهذا المنحى الأخير تعبّر عنه بوضوح رئيسة الحزب الدستوري الحرّ الممثل بالبرلمان، ، التي لا تخفي حنينها للنظام البائد، ولا تعترف بالثورة أصلا ولا تقرّ  يشرعية الحكم الجديد رغم استفادتها منه ووجودها بمؤسّساته. كما يعبّر عن هذا المنحى أيضا البعض من المصنّفين قريبين من الرئيس قيس سعيد، والذي تستخدم بعض خطبه خلال الحملة الانتخابية أو بعد تولّيه رئاسة الجمهورية في تأكيد هذا التوجّه في النقد الجذري لنظام الحكم، رغم وجوده على رأسه،  والتحريض على تمثيلية السلطة التشريعية خاصة، والتي وصفها مؤخرا ب”الهيئة التشريعية”، وهو رمز وحدة الدولة والساهر على احترام دستورها.

        ولا يخفى على المتابعين تصعيد وتيرة استهداف مجلس نواب الشعب، ومحاولة ترذيله والتحريض عليه، بعد انتخاب زعيم حركة النهضة رئيسا له. فالبرلمان عنوان سيادة الشعب، ومشاركة النهضة، الكتلة الأولى،  في الحكم أحد المؤشرات القويّة على حصول ثورة وانتقال ديمقراطي. وهذا يفرح الكثيرين ويغيض البعض. فقد بات مؤكّدا أنّ كتلة الحزب الدستوري الحر ومنذ الجلسة الافتتاحية للفترة البرلمانية الجديدة التي انتخب فيها الغنوشي، تعتمد أجندة واضحة في تعطيل عمل البرلمان والنيل من رئيسه خاصة، وإعطاء أسوأ صورة عن الديمقراطية التونسية. فالنائب عبير موسي تقع في الخلط الذهني، وإن بدا متعمّدا، الذي لا يساعد على فهم الواقع، حين تخاطب حزب النهضة التونسي على أنّه جماعة الإخوان المسلمين المصرية.  وهي تجاوزت كل الحدود بما صدر عنها وعن كتلتها من ممارسات غير مسبوقة في إحداث الفوضى ومحاولات الإرباك والتعطيل، وطالت “هستيريا”  رئيستها وإساءتها في القول والفعل، مختلف الكتل البرلمانية ونائبي رئيس المجلس، بما جعلها في عزلة وإدانة من الجميع.

        غير أنّ ما يحصل من أخطاء في إدارة الجلسات العامة خاصّة وشؤون المجلس عامة، والتي تثيرها نقاط النظام أحيانا، وكشفت جمعية بوصلة بعضها، بمناسبة انقضاء 100 يوم من عمل البرلمان، وما يصدر من تجاوزات من نوّاب من مختلف الكتل، يساهم في خلط الأوراق وعدم تجلية صورة حقيقة ما يحدث من مناكفات وتجاذبات لا تخلو منها البرلمانات، وما يعدّ عملا مقصودا لتعطيل البرلمان والإساءة للديمقراطية التونسية.

         وربّما يحتاج الغاضبون على نواب الشعب، لتنسيب انطباعاتهم وأحكامهم وعدم تعميمها، إلى متابعة أدقّ لأعمال النواب بالجلسات العامة واللجان والجهات ومع السلطات المختلفة،  ومعرفة متطلبات أعمالهم الكثيرة والمعقّدة، وضعف الإمكانيات المتاحة لهم. كما يحتاجون إلى مقارنة أعمال مجلس نواب الشعب التي تجري في منتهى الشفافية، بأعمال بعض مؤسسات الحكم أو ألإدارة الأخرى. فنواب الشعب تُنقل جلساتهم العامة على المباشر ويحضر الإعلاميون والمجتمع المدني مداولات لجانهم، وتعجّ أروقة المجلس وفضاءاته المختلفة بالعدسات والكاميرات التي لا تفوتها شاردة ولا واردة، وكل هذا من فضائل الديمقراطية التي نرجو أن تعمّ الدولة والمجتمع، لما تتيحه الشفافية من فرص للمتابعة وإصلاح الأخطاء والمحاسبة وتحميل المسؤولية.

        لا نكشف سرّا حين نذكّر بانخراط بعض الأطراف البرلمانية أو الحزبية أو الإعلامية التونسية، في خدمة أجندة خارجية مدفوعة الثمن مسبقا في استهداف التجربة الديمقراطية المحلية. ونؤكد في خاتمة هذا المقال، أنّ التصدّي الناجع لهذه الأجندة، ليس في فضحها فقط وإدانتها، بل يكمن أساسا، في تحسين صورة البرلمان. وذلك أوّلا  بحرص إدارة مجلس نواب الشعب على جاهزيّة أفضل وأداء أحسن، والاستماع للنقد البناء وإصلاح الأخطاء. وثانيا بتضامن مختلف الكتل الحريصة على سمعة البرلمان واضطلاعه بدوره، والنأي بنفسها عن التجاوزات والمناكفات، وتقديم الأهم عن المهم بحسن التقدير، والتفاني في خدمة مصالح الشعب التي انتخبوا من أجلها، من خلال الوظائف البرلمانية المختلفة للنائب.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 148، تونس في12  مارس 2020

    0 Comments

    No Comment.