بين الاحتجاجات المشروعة والأعمال الإجرامية: بحثا في الأسباب العميقة

       يُذكر دائما أنّ “الدولة تحتكر العنف”، في تعليل  حقّ قوات الأمن في مواجهة للمتظاهرين، لكن قليلا ما يُذكر أنّ مسؤولية الدولة أن تمنع لجوء مواطنيها إلى العنف، من خلال واجباتها في الحكم الرشيد وإقامة العدل وإسعاد مواطنيها. ومن خلال هذه المعادلة بين الحقوق والواجبات نروم تناول ما تعرفه بلادنا خلال الفترة الأخيرة من اضطرابات، يتأكّد التمييز فيها بين الاحتجاجات الاجتماعية المشروعة والأعمال الإجرامية المُدانة، وتتطلب معالجتها الناجعة البحث في الأسباب العميقة وتعدّد الحلول.

       فقد نصّت ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على مسؤولية الدولة في استقرار المجتمع حين أشارت إلى أنّه “من الضروري أن يتولّى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطرّ المرء آخر الأمر إلى التمرّد على الاستبداد والظلم”. إذ لمّا كان الاستقرار الاجتماعي شرط الاستقرار السياسي، فإنّ الدولة تحرص على توفير العيش الكريم لمواطنيها بتوفير الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والبنية التحتية وتحسينها قدر الإمكان. كما تسعى إلى تحقيق تضامن المجتمع من خلال سياسة ضريبية عادلة، وآليات للأمان الاجتماعي،  وغيرها من السياسات. وهي المسؤولة أيضا عن منع الاحتكار ومراقبة الأسعار وتعديل السوق ومساعدة الفئات المعوزة والتخفيف من معاناة المحرومين. وإنّ الدولة التي ينتمي إليها مواطنوها على أساس المساواة في الحقوق والواجبات الأساسية وأمام القانون، كلّما نجحت في خدمة مواطنيها وإسعادهم ازدادت مشاعر الولاء لها والتفاني في خدمتها والذود عليها.  والعكس بالعكس.

       وإنّ مسؤولية الدولة في ضمان عيش كريم للمواطنين وتأمين حقوقهم الدستورية، يجعلنا نتفهّم كل نقد، مهما علت نبرته، لأداء الحكومة والمسؤولين في الدولة. ونقدّر أن معاناة الشباب من البطالة وضعف التغطية الاجتماعية، وتردّي خدمات الصحة العمومية والبنية التحتية والنقل والتعليم، والتأخر في تعديل التفاوت بين الجهات والفئات في التنمية، والإخفاق الاقتصادي والاجتماعي مقارنة بالمنجز السياسي بعد الثورة، أسباب مشروعة للغضب الاجتماعي. ولذلك نتفهّم موجة الاحتجاجات التي عمّت أغلب ولايات الجمهورية، في الذكرى العاشرة لثورة الحرية والكرامة، ونعدّ مطالبها في التمية مشروعة وندعمها.

       ففي ظلّ حكم الاستبداد تمّ اختطاف الوطن، فصار الناس يتبرّمون  حتّى من رفع الراية الوطنية (العلم) التي أضحت ترمز أكثر للحاكم المستبد والحزب المحتكر للحكم (الشعبة). وانكفأ المواطن على نفسه وضعف انتماؤه للوطن، فتفشّت اللامبالاة وعزف الناس عن المشاركة في الحياة العامة واستسلموا إلى ضرب من القدرية وفقدوا كل أمل في تغيير الأوضاع وسكنهم الإحباط. فالسياسة شأن لا يعنيهم، بل هي خطر يجب الحذر منه، والصراع بين الحكم والمعارضة، “صراع على الكراسي” ومن أجل مصالح شخصية لا ناقة لهم فيه ولا جمل. والديمقراطية والانتخابات والمشاركة والمواطنة…كلمات جميلة تثير ضحكهم، وهي أقرب للشعارات الرنانة، وإن كان لها صلة بالواقع ففي ربوع غير ربوعهم. 

       وبعد الثورة استعاد الشعب وطنه المخطوف، فأمسى الشباب خاصة يلتحفون بالراية الوطنية في المناسبات الوطنية وعاد للنخوة الوطنية بريقها. وارتفع منسوب الانتماء لجمعيات المجتمع المدني وللأحزاب السياسية، بحجم غير مسبوق. لكن مع تأخّر تحقيق أهداف الثورة في الكرامة خاصة، وتحسين عيش المواطنين، تراجع منسوب الانخراط في الحياة العامة مجدّدا، وظهرت أكثر نتائج تبخيس الأحزاب والتيئيس من الثورة ونشر التشاؤم والإحباط. وليست مفارفة حبّ التونسيين لبلادهم التي يعربون عنها في مناسبات عدّة، وكره دولتهم في المقابل، سوى مؤشرات على ضمور المواطنة.

       ونكتفي من أمثلة الواقع الشاهد على ذلك، التنبيه إلى المزاج السلبي لدى عموم المواطنين حين يلتقون المسؤولين، والنبرة السلبية في حديث الناس اليومي عن الدولة مرموزا إليها بالإدارة، والتبرّم من المحيط والرغبة في الهجرة والمغادرة، ولو نفسيا. حتى أنّ بعضم ينكر انتماءه الرمزي ل”تونس الدولة”، وهو الذي يقيم على ترابها ويخضع لقوانينها ويعيش من أجر وظيفته الذي تدفعه الدولة له. ويعكس الشباب خاصة مشاعرهم السلبية تجاه الدولة بارتفاع منسوب التشاؤم في صفوفهم، ومن خلال مضامين أغاني “الراب” الأكثر تداولا بينهم، والمشحونة عنفا لفظيا، وكذلك بعض العبارات “الحائطية”  التي تشي بإدانة عامة لكل ما هو رسمي، واليأس من كل أصحاب المسؤولية، وكره المكان وظروف العيش،  والرغبة في “الحرقة” والإقامة وراء البحر. وتفيد الإحصائيات أنّ أكثر من مئة ألف تلميذ ينقطعون عن الدراسة كل عام، وتنقطع صلة جلهم بالدولة في الغالب. حتى صار بعض الباحثين يتحدّثون عن مليون تونسي خارج دولاب الدولة بالكامل. وهذا مؤشّر بالغ الخطورة بالنسبة لبلد صغير. وليس استهداف أطفال قصّر لقوات الأمن والمؤسسات العمومية في الاضطرابات الليلية الأخيرة، سوى نتيجة طبيعية لما أسلفنا.

        ولئن كان الشباب، عنوان الغضب، في بلد يشهد طفرة شبابية، فإنّ ذلك لا يحجب مصاعب الحياة التي تزداد لدى عموم الناس، مع تراجع المقدرة الشرائية لعموم الأجراء رغم تضاعف كتلة الأجور ثلاث مرات بعد الثورة، بسبب الارتفاع المشطّ للأسعار وضعف رقابة الدولة وانزلاق الدينار واستفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، التي لم تتبلور بعد حلول مقنعة لها ولم توضع برامج عملية للخروج منها.

        ولمّا كان العامل والفلاح قوام عملية الإنتاج، بل هما المنتجان الفعليان، فإنّ الأجرة الزهيدة مقابل الإنتاج، لا تمكنّهما من شراء ما يحتاجون من منتوجات بالسوق بسبب الأسعار المشطّة، ممّا  يشعرهما بالغبن والحرمان. فالمنتوج الذي تصنعه أيديهم في الحقول، يفرّ منهم في السوق ويصيرون غرباء عنه، وهذا باختصار ما عناه كارل ماركس باغتراب العامل، وما فسّر به بعض جوانب الاستغلال في علاقة ربّ العمل بالأجراء. بل إنّ العودة إلى مقدمة ابن خلدون، مفيدة في هذا الموضوع. فقد ورد بالفصل الثالث والأربعين بعنوان “في أنّ الظلم مؤذن بخراب العمران” قوله: “اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهيا  من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء و نسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.”  فاغتراب العامل والفلاح عن منتوجهما عامة كما بينّا، يقود حتما إلى الانقباض عن العمل وتراجع المردود والإنتاجية. وهذا أحد أوجه مشكلتنا الاقتصادية اليوم. لكن الأهمّ من ذلك أن يبلغ الأمر مستويات خطرة لا تهدّد الاقتصاد فحسب، بل تهدّد وجود الدولة أصلا.

       وفي ظلّ هذه الأوضاع يستمرّ التجاذب السياسي وتتقدّم المصالح الشخصية والفئوية على المصلحة العامة ويتمّ تبخيس الأحزاب والسياسيين ويستثمر البعض للأسف في خطاب الفشل والتشاؤم والتأييس. وبالتوازي مع الوضع الداخلي الصعب، يستمرّ  خارجيا التآمر الإقليمي على ثورات الربيع العربي التي فتحت آفاق ما بعد الاستبداد وتعلّقت بها آمال عريضة، وسط سلبية أو تواطؤ أطراف دولية طالما ردّدت الحاجة إلى دعم الديمقراطية وتشجيع الاستثمار والتنمية ببلدان الجنوب حماية لبلدان الشمال من مخاطر الهجرة غير الشرعية.

       ما أحسن أن يكون السياسيّون لسان قومهم فيحملون همومهم ويدافعون عن حقوقهم، وما أجمل أن يكون الإعلاميون مرآة مجتمعهم فيسخّرون منابرهم لكشف معاناة الشعب أو تقصير الحكومة أو تقديم المقترحات لإصلاح الأوضاع، لكن شتّان بين تلك المقاصد النبيلة، وبين ركوب الخطابات “الشعبوية” للمزايدة على الحكومة أو تأجيج الغضب أو الاستثمار في المعاناة واليأس. ومن مؤشرات تلك “الشعبوية” تصوير معاناة التونسيين “بعد الثورة” بأنّها الأسوأ، خلافا للمعطيات الموضوعية، وكأنّنا شعب بلا ذاكرة.

       وإنّ المسؤولية الوطنية والموضوعية يقتضيان من السياسيين والإعلاميين عامة، وخاصة في الظرف العصيب الذي تمرّ به بلادنا، تعديل خطاباتهم حتّى لا يدفعوا بمشاعر اليأس  لدى الشباب واغتراب العامل والفلاح والأمزجة السلبية بسبب مخلفات جائحة كوفيد 19، إلى تداعياتها السلبية القصوى. وعلى الجميع أن يستحضروا تبعات الخطابات “الشعبوية” في تأجيج مشاعر الغضب لهزّ الاستقرار وتعريض الدولة إلى مخاطر لا تخفى عواقبها في تجارب قريبة منّا، لا نرجوها ونسأل الله أن يقينا شرّها.

       فالاحتجاجات الاجتماعية المشروعة، على الحكومة أولا وعلى سائر الفاعلين أن يحاروا أصحابها بشجاعة وأن يعجّلوا بالحلول المناسبة لمعالجتها. أما أعمال الشغب بالليل خاصة، التي تستهدف الأملاك العامة والخاصة، وتأكّدت أهدافها في النهب والتخريب، فهي خروقات للقوانين وأعمال إجرامية أدانتها الأحزاب والمنظمات، ولم تعلن جهات سياسية تبنّيها بوضوح، ولا بدّ من معاضدة الأهالي لمجهودات قوات الأمن والجيش،  في التصدي لها.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 190، تونس  في  21 جانفي 2021     

    0 Comments

    No Comment.