انزلاق غير شرعي للنظام السياسي واستهتار بمصالح الناس

و

        عبّرت أغلبية برلمانبة واضحة مُمثّلة في أكبر الكتل النيابية عن عدم دعمها لخيار حكومة “كفاءات مستقلة”، بعد لقائها الثلاثاء 11 أوت 2020 في جولة ثانية من المشاورات، المكلّف بتشكيل الحكومة السيد هشام المشيشي. إذ تلتقي موضوعيا كتل النهضة والديمقراطية (التيار والشعب) وقلب تونس والكرامة والمستقبل على خيار حكومة سياسية، تتكوّن من ائتلاف حزبي برلماني، وتكون مفتوحة على غير المتحزبين، مع اختلافات جزئية في بعض التفاصيل. وهكذا يزيد تصريح المشيشي مساء الإثنين الماضي، حول طبيعة الحكومة التي يعتزم تكوينها، والتي تستبعد الأحزاب السياسية، في تعقيد المشهد السياسي بعد اختيار رئيس الجمهورية قيس سعيد الشخصية الأقدر على تكوين الحكومة من خارج مقترحات كبرى الأحزاب والكتل النيابية. وقد بات واضحا للمتابعين أنّ خلفيات عناوين الخلافات السياسية في هذه المرحلة تخفي صراعا تتكشّف تداعياته بسرعة مع مرور الوقت، حول طبيعة النظام السياسي البرلماني الذي رسمه دستور 2014، والذي تدافع عنه الأحزاب والكتل المتصدّرة لنتائج انتخابات 2019، ونزعة النظام الرئاسي التي يعبّر عنها رئيس الجمهورية وبعض الأطراف السياسية الأخرى المنتقدة للدستور ومن أبرزها الحزب الدستوري الحر. وليس من المبالغة في شيء، وصف ما يحصل مؤخرا بأنه انزلاق غير شرعي للنظام السياسي، وصراع حول الصلاحيات ستكون كلفته باهظة على الاستقرار السياسي وتضييع مصالح التونسيات والتونسيين في مرحلة اقتصادية واجتماعية يتّفق الجميع على خطورتها.

        فرئيس الجمهورية قيس سعيد، أستاذ القانون الدستوري وصاحب الشعارات المعلومة في نقد النظام السياسي والانتخابي، لم يفصح بعد عن رؤيته لمشروعه السياسي. وهو يسعى عمليا إلى فرض أمر واقع في تكريس نظام رئاسي وتغيير طبيعة النظام السياسي القائم دون أن يتقدّم إلى حدّ الآن بأيّة مبادرة تشريعية في الغرض. والرئيس سعيد الذي تمّ انتخابه بأغلبية واسعة على قاعدة دستور 2014 الذي ترشح بمقتضاه، صار مستعجلا في الاتجاه عمليا إلى ما يخالفه، مستفيدا من غياب محكمة دستورية ومن ثغرات في النص الدستوري ومن مناكفات بين الأحزاب والكتل البرلمانية. كما أنّ الرئيس سعيّد المحمول على نقد المركزية والهرمية والمتحمّس للتغيير القاعدي والتعبير عن إرادة الشعب، صار يستغلّ مركزه في أعلى هرم السلطة ليفرض تغييرا سريعا في قواعد النظام السياسي.

        وقد عبّر كثيرون خلال الفترة الأخيرة، على أنّ الأستاذ قيس سعيّد، هو رئيس الجمهورية في قرطاج  الذي صار يمارس دور المحكمة الدستورية ويحتكر تأويل المادة الدستورية ويفرض رأيه مهما خالفه المختصون والفاعلون. وهو يضع يده على القصبة من خلال تعيينه لرئيس حكومة بلا ظهبر حزبي ولا سياسي بما يجعله أشبه بالوزير الأول في النظام الرئاسي، إضافة إلى التدخل الواضح في تعيين الوزراء خاصة في الحقائب السيادية. وهو من خلال  مناكفته للسلطة التشريعية وتوتير علاقته برئيس مجلس نواب الشعب، يجعل علاقته غير ودية بباردو.  وقد دلّت مؤشرات عديدة مؤخرا عن تدخّله في بعض مهام السلطة القضائية. وصار تشديده المتكرّر على أنه الرئيس الوحيد لتونس في الداخل والخارج، يُحمل على هذه النزعة الرئاسوية، علاوة على الصورة التي يحاول تبليغها من خلال الزيارات المكثفة لمراكز القوات المسلحة العسكرية والأمنية والاهتمام بمشاغل الحياة اليومية للمواطنين في الصحة وتحسين أوضاع معيشتهم عموما والحرص على حماية أموالهم العامة.

        وتأتي انتقادات رئيس الجمهورية الصريحة والضمنية للأحزاب السياسية واتهاماته الغامضة لها في أكثر من ملف وعدم الاجتماع بها أو الالتقاء برؤسائها، كما جرت الأمور مع من سبقوه، لتكون مؤشّرا إضافيا على اتجاه المشهد السياسي إلى مزيد التأزيم. وحتى نكون أقرب إلى مستجدات الساحة ولا نتلعثم في كلماتنا ولا نوارب في مواجهة الواقع كما هو فعلا، ننبّه صراحة إلى أنّ الرئيس سعيد الذي اختار إلياس الفخفاخ رئيسا ل”حكومة الرئيس” كما يحلو للبعض وصفها، يتحمّل قدرا مهما من المسؤولية في تعثّر هذه الحكومة قبل سقوطها السريع. والرئيس سعيد الذي تحدث في مواضيع جزئية جدا على غرار تعليقه على حوارات في لجان مجلس نواب الشعب أو ملف حادث مرور لابنة الوزير، لم يفصح إلى حدّ الآن عن أيّة إشارة لشبهة تضارب المصالح أو الفساد التي تعلّقت برئيس الحكومة الذي اختاره، والتي  كانت سببا رئيسيا في إجباره على الاستقالة بعد تصريحات رئيس هيئة مكافحة الفساد والتقرير الأولي لهيئة الرقابة وتقرير لجنة التحقيق بالبرلمان ولائحة أغلبية نيابية في سحب الثقة منه.

        ودون أيّ تقييم لاختيار رئيس الجمهورية للسيد إلياس الفخفاخ خلافا لإرادة الأغلبية البرلمانية والنتائج المترتبة عن ذلك، يعمد السيد الرئيس مجدّدا إلى تكليف السيد هشام المشيشي بنفس الآلية وبإمعان أكبر في استبعاد الأحزاب السياسية. فحكومة المشيشي إن تمّت على قاعدة ما أعلنه مؤخرا من اختيار وزراء من خارج جميع الأحزاب، ستكون هذه المرة حقيقة لا مجازا “حكومة الرئيس”، بامتياز، التي يتحمّل مسؤولية حصائلها بالكامل. وهي علاوة على فيها من تبخيس للأحزاب وتنكّر للنظام السياسي والانتخابي القائمين على منظومة التعدّدية الحزبية، وعدم اعتبار نتائج الانتخابات التشريعية، ستكون عنوانا آخر  للانزلاق غير الشرعي للنظام السياسي. فهي حكومة تجري على غير الأعراف السياسية والتقاليد الديمقراطية. وهي حكومة لا تتوفّر على أدنى مقوّمات النجاح والاستقرار.

        فحكومة المشيشي، دون دعم واضح من الأحزاب أو الكتل النيابية الكبرى، تبدو أقرب إلى السقوط في جلسة نيل الثقة بالبرلمان الذي يعطيها وحده شرعيتها ويمكنه أن بسحبها منها أو من أحد أعضائها في أيّ وقت. وهي إن تمّ تمريرها لسبب أو لآخر، ستمرّ بأغلبية ضعيفة جدا، وستكون بلا حزام برلماني أغلبي يُيسّر لها تمرير مشاريع قوانينها. ولن تكون لها الجرأة على إنفاذ الإصلاحات الإقتصادية المؤكدة ولا اتخاذ الإجراءات الاجتماعية القادرة على خفض الاحتقان. وستكون ضعيفة أمام المانحين الدوليين الذين قد يتراجعون أصلا عن دعم تونس. وبذلك ستكون حكومة المشيشي من غير المتحزبين، أقرب إلى حكومة تصريف أعمال ولن تساعد على تحسين أوضاع التونسيين فضلا على أنها قد تكون الاقصر عمرا.

        يحضرني بالمناسبة مقال نشرته بتاريخ 16 جانفي 2020 بعنوان “عدم مرور حكومة الجملي أو سقوط وهم المستقلين”. أوضحت فيه أنّ أهمّ أسباب فشل الجملي في نيل حكومته لثقة البرلمان، ترجع أساسا لمخالفته لأصل التكليف الممنوح له من حزب النهضة وإصراره على خيار “حكومة الكفاءات الوطنية غير المتحزبة”. ولذلك اعتبرنا عدم مرور تلك الحكومة سقوطا نهائيا لوهم “المستقلين” الذي كثيرا ما أدخل اللّبس على المشهد السياسي التونسي، واختاره البعض طريقا للتحيّل الانتخابي أو الانقلاب على نتائج الانتخابات. وكان أهمّ أدوات أطراف داخلية وخارجية في ترذيل الأحزاب وإضعافها.

        لذلك تبدو الدعوة مجدّدا إلى استبعاد الأحزاب بتعلّة أو أخرى، والبحث عن ّالكفاءة” من خارجها،  نشازا  ديمقراطيا تونسيا. فهذه الدعوة، زيادة على تنكّرها لمقتضيات الديمقراطية من تعدّدية حزبية  واعتماد الانتخابات أساسا وحيدا  لشرعية الحكم، هي ادّعاء بأحقيّة  قيادة البلاد، استنادا إلى جدارة مزعومة باسم “كفاءة” يحتكرها البعض من غير المتحزبين وينفونها عن غيرهم من الكفاءات من المنتمين للأحزاب، ويجعلون من لم يتقدموا للانتخابات العامة أو لم يفوزوا فيها، حكما على شرعية من تمّ انتخابهم.

        ولا نظلم أحدا حين نقول بوضوح وصراحة أنّ الدعوة إلى حكم “الكفاءات المستقلة” مهما كانت مبرراتها وعناوينها،  نراها قضما مستمرا للديمقراطية وانقلابا ناعما عليها. ولعلنا لا نبالغ حين نقول أنّ  منطلقات  هذا الخيار تقوم أساسا على اعتبار أنّ مشكلة تونس الكبرى في نظر البعض  تكمن في وجود حزب قويّ اسمه “حركة النهضة”، وأنّ استبعاده من الحكم  شرط للحلّ. فلسان حال هؤلاء أنّ مشاركة النهضة  في الحكم  عنوان فشل مهما كانت المؤشرات والأرقام إيجابية، وأنّها وحدها تتحمل مسؤولية إدارة البلاد بعد الثورة وعليها يقع عبء المرحلة، وهي الحاكم الفعلي مهما كانت تمثيليتها في الحكومة وفي مواقع المسؤولية والقرار في مؤسسات الدولة، وأنّ الديمقراطية الحقيقية، هي كلّ الطرق التي تؤدي إلى إقصاء النهضة من المشاركة في الحكم، وفي ذلك المستقبل الزاهر لتونس وسعادة التونسيين.

        فمتى ينتهي هذا الخطاب الممجوج الذي لم يغيّر معادلة موازين القوى السياسية في الواقع، ولم يطوّر الحياة الحزبية. فمعارضة حركة النهضة ليست مشروعا سياسيا، ولم تكن دائما عنوانا مُربحا في الانتخابات، ولم تساهم في تحسين أوضاع الناس. ومن الغباء وإضاعة الوقت عن التونسيين تكرار ما تأكد فشله.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 168، تونس  في 13 أوت 2020

    0 Comments

    No Comment.