الأهمّ والمهمّ حين تدلهمّ

        وصف رئيس الجمهورية خلال لقائه رئيس البرلمان ونائبيه الإثنين الماضي، ما يحصل خلال الفترة الأخيرة من تعطيل لعمل مجلس نواب الشعب، ب “وضع غير عادي بالمرّة لم تشهده تونس من قبل” وختم كلمته المنشورة على موقع رئاسة الجمهورية بقوله “ربما اليوم نعيش أخطر وأدقّ اللحظات في تاريخ تونس بعد الاستقلال. وعلى الجميع أن يتحلّى بروح المسؤولية”.  ففي وضع اقتصادي واجتماعي بالغ الخطورة والتعقيد ما بعد أزمة كوفيد 19، حيث تدلّ المؤشرات الاقتصادية حقيقة لا مجازا، أنّ بلادنا في حالة إفلاس غير معلنة، وفي وضع اجتماعي متفجّر حيث تتعدّد الإضرابات في قطاعات حيوية، وتُقطع الطرقات، وترتفع المطلبيّة من خلال الوقفات الاحتجاجية، وفي مشهد سياسي تتصاعد فيه المناكفات الحزبية وتحتدّ لتمتدّ إلى مؤسسات الحكم الرئيسية ويشتدّ الضغط على القصبة وباردو وقرطاج، تبدو حرب الكلّ ضدّ الكلّ. وفي وضع مُدلهمّ كهذا يبدو التذكير بالقاعدة الذهبية “الأهمّ قبل المهمّ” مفيدا في فهم ما يحصل وضبط بوصلة الفاعلين السياسيين خصوصا.

        يسعفنا قاموس العرب في تكثيف وصف ما يحصل في مشهدنا السياسي من خلال ما اخترناه في عنوان هذا المقال. فالمُدْلَهِمُّ هو الأسود. وادْلَهَمَّ الليلُ أي كَثُفَ ظلامُه. وفلاة مُدْلَهِمَّةٌ لا أَعْلام فيها. وتلك معاني لا يخطئها متابع لأحوالنا في هذه الفترة. فحين تزداد المخاطر الاقتصادية وتتضاعف مصاعب عيش الناس وتنقلب التوقّعات سلبيا، فيتحدث المختصّون عن غلق مؤسسات بدل استثمارات جديدة في الأفق، وعن ارتفاع معدّل البطالة بدل تشغيل المعطّلين، وعن نسبة نمو تحت الصفر غير مسبوقة منذ الاستقلال، عندها لا تكون اللوحة إلاّ كثيفة السّواد. وحين ترتفع أصوات الموتورين في الصراع السياسي وتسود خطابات الشعبوية والمزايدات وتضطرب إبرة البوصلة الوطنية وتُقدّم الحسابات الشخصية والفئوية على الصالح العام، وينحدر الحوار إلى أدنى مستوياته، عندها لا تبقى “أعلام” نهتدي بها، ونستصرخ العقلاء فينا ليتحمّلوا مسؤولياتهم.

        وحتّى لا نذهب بعيدا بما لا يسمح به الإطار، ولا نتوه في التفاصيل على أهميتها، نقتصر على المشهد بمجلس نواب الشعب، باعتبار البرلمان عنوان الديمقراطية وركيزة نظامنا السياسي الجديد والأكثر تعبيرا عن تعدّدية الآراء وسقف الحرية العالي جدّا.

        فما تقوم به كتلة الدستوري الحر خلال الفترة الأخيرة بدعوى الاعتصام للاحتجاج على إدارة البرلمان،  تبيّن بوضوح أنّه  عمل فوضوي وشغب يهدف إلى تعطيل أشغال مجلس نواب الشعب وتشويه رئيس حركة النهضة والإساءة للثورة وترويج أسوإ صورة عن الديمقراطية التونسية الناشئة.

        فبصرف النظر عن مشروعية اعتصام النواب للاحتجاج، وهم الذين بإمكانهم التعبير عن مواقفهم في الجلسات العامة التي تبثّ على المباشر، وفي أشغال اللجان المختلفة، وعبر وسائل الإعلام المنتشرة في أرجاء المجلس، بصرف النظر عن هذا الجدال كان يمكن أن يتم الاعتصام في بهو البرلمان دون تعطيل أشغال الجلسة العامة أو المصالح الإدارية. لكن من تسلّلوا إلى قاعة الجلسات العامة أو مكتب رئيس الديوان، واعتلوا منصة رئاسة المجلس، و واعتمدوا التهريج والصراخ، واستعملوا القوة البدنية لمنع رئيس مجلس نواب الشعب ونائبيه ومدير ديوانه من أداء مهامهم، لا تحمل أعمالهم إلاّ على كونها شغب وتعمّد لتعطيل مرفق عمومي، واعتداء على موظف أثناء مباشرة عمله، وجميعها وغيرها جرائم يعاقب عليها القانون.

        وهذا ما جعل رئيس البرلمان، بعد استنفاذ طرق الحوار مع الفوضويين، يراسل وزارتي الداخلية والعدل ورئاسة الجمهورية للتدخل وإيقاف الفوضى، ويرفع قضية عدلية في الغرض ضدّ النواب المُعطِّلين. وقد انطلقت النياية العمومية في التحقيق واتخاذ ما يلزم من إجراءات. وقد يكون ذلك وراء عزلة عبير موسي وكتلتها وبداية تراجعهم، إضافة إلى تدخّل رئيس الجمهورية، وعزم كتلة حركة النهضة وكتل أخرى على التصدّي لعربدة عبير وعصابتها  وإيقاف مسلسل الشغب والتعطيل.

        وحين اقترب المشهد داخل البرلمان وخارجه، من حصول إجماع على جريمة عبير وكتلتها في التعطيل، جاء بيان التيار الديمقراطي يوم الثلاثاء 21 جويلية 2020 يحمّل المسؤولية لرئيس المجلس. ممّا جعله يلاقي سخطا غير مسبوق ويوصف ب”الفضيحة”، لتجاهله الإشارة إلى حقيقة ما يحصل من شغب وتعطيل بالبرلمان وسكوته عن ذكر مسؤولية كتلة الدستوري الحر، مقابل  التلميح بالنقد لكتلة ائتلاف الكرامة، وتنصيصه على ما اعتبره خرقا ممنهجا “للنظام الداخلي من قبل رئيس مجلس نواب الشعب، وتحميله مسؤولية عجز المجلس عن الاضطلاع بدوره وتحويل وجهته نحو صراع غير مسؤول مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة”.

        ليس  هذا “الحَوَل السياسي” سوى عيّنة عن ضياع بوصلة التيار وسائر الأطراف، ولا أستثني أحدا، داخل البرلمان وخارجه، من القوى المنتصرة للثورة وللانتقال الديمقراطي. وليس تقديم لائحة سحب ثقة من رئيس البرلمان، في هذه المرحلة، بصرف النظر عن الاختلاف في تقدير أداء الغنوشي في رئاسة المجلس، سوى دليلا إضافيا على خلط الأوراق في مشهد سياسي مدلهمّ. فسحب الثقة من الغنوشي “علامة مسجلة” لعبير موسي وكتلتهتا، لا يمكن الانفكاك من الانخراط في أجندتها، مهما تمّ من حسابات في  الإمضاءات، ومهما أكدنا على هذا الحق المشروع الذي يضمنه النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب.

        وغير بعيد عن البرلمان، لا يمكن أن يكون الاختلاف في تقدير الموقف من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، بعد شبهة تضارب المصالح، خاصة بعد استقالة هذا الأخير، سببا إضافيا في التباعد بين حركة النهضة وشركائها السابقين في الحكومة على غرار التيار الديمقراطي وحركة تحيا تونس وكتلة الإصلاح. فالمشاورات حول تشكيل المشهد الحكومي الجديد، يجب أن تستفيد فيه هذه الأطراف جميعا من أخطاء الماضي، لا أن يكون حائلا دون التقائها مجدّدا، وأن تتوسّع المشاورات داخل البرلمان وخارجه،  لضمان  أوسع حزام سياسي لحكومة الشخصية الأقدر، التي سيختارها رئيس الجمهورية نهاية هذا الأسبوع ويكلفها بتشكيل الحكومة.

        إنّ القاعدة الذهبية البسيطة في تقديم الأهمّ على المهمّ، وحدها الكفيلة بفرز سياسي بين من يجتهدون وقد يخطئون، في دعم الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة، وبين من يحنّون إلى ماضي الاستبداد والفساد، ويستهدفون هذا المسار لصالح أجندات إقليمية وحسابات شخصية. ومن قبل قال الإمام علي “ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.”

وإنّ تقديم الأهمّ على المهمّ، تظلّ القاعدة الأصلح في مساعدة الجميع على تقديم المصلحة الوطنية العليا على المصالح الشخصية والحزبية والفئوية على أهميتها في الحسابات السياسية. وإنّ الظرف الدقيق الذي تمرّ به بلادنا، خاصة على الصعيد الاقتصادي، وسط أزمة عالمية غير خافية، يجعلنا أكثر حرصا على التعالي على المناكفات وتصفية الحسابات، مهما كانت أخطاؤنا مع بعضنا، لتجتمع إرادتنا وكلمتنا على ما فيه خير بلادنا وخيرنا جميعا. ولا بدّ للّيل أن ينجلي لينبلج صبح تونس مجدّدا من هذا المشهد المدلهمّ.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 166، تونس  23 جويلية 2020

    0 Comments

    No Comment.