أزمة حكم؟ أم نظام حكم؟

       أثارت تصريحات رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الأخيرة، في إحدى فضاءات الحوار الافتراضي، حول أزمة امتناع رئيس الجمهورية قيس سعد دعوة الوزراء إلى أداء القسم الدستوري، ردود أفعال مختلفة، أعادت من جديد الجدال حول النظام السياسي الذي أقرّه دستور 2014 ومسؤولياته في أزمة الحكم وما تعكسه خيارات كل طرف سياسي من رؤية لطبيعة السلطة وعلاقتها بالديمقراطية وتقدير للتوازنات السياسية والمصالح الحزبية. ويهمّنا في هذا السياق تبيّن خلفيات هذا الجدال وحقيقة الأزمة السياسية بتونس ما بعد الثورة، التي نراها أقرب إلى أزمة حكم وليست نتيجة نظام حكم أقرّه دستور لم يكتمل تنزيله في الواقع، ولا تبدو البلاد مهيّأة لمراجعته في هذه الفترة، ولا تتوفّر شروط وضعه في أولويات السلطة التشريعية مرجع النظر والقرار، علاوة عن استحالة التوافق عليه.

       عشيّة عقد البرلمان  لجلسة منح الثقة للوزراء المقترحين ضمن التحوير الحكومي الذي قرّره رئيس الحكومة هشام مشيشي،  خصّص رئيس الجمهورية  جانبا هاما من كلمته في افتتاح اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 25 جانفي 2021 إلى موضوع التحوير الذي انتقده في جوانب عديدة، وألمح إلى عدم رضاه عنه، وأعرب عن اتجاهه إلى عدم قبول أداء القسم الدستوري من بعض الوزراء الذين تثار حولهم شبهات تضارب مصالح أو فساد أو تتعلق بهم أو قد تعلّق قضايا عدلية. وبعد تزكية البرلمان للوزراء المقترحين بأغلبية مريحة، لم يعقد رئيس الجمهورية موكب أداء اليمين إلى ساعة كتابة هذا المقال. وقد اختلفت آراء خبراء القانون الدستوري ومواقف الأطراف السياسية حول الموضوع.

       وفي حوار افتراضي مباشر معه مساء السبت 30 جانفي 2021، وفي معرض حديثه عن تداعيات أزمة أداء اليمين على العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية،  أشار الغنوشي إلى أنّ ما يحصل هو  أحد تعبيرات صعوبات “المزج” في الدستور الحالي بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني والذي يفترض “دورا رمزيا” لرئيس الجمهورية في موضوع تشكيل الحكومة. وأنّ ما يجب استخلاصه كدرس للمستقبل هو ضرورة الاتجاه نحو نظام برلماني “صرف” تكون فيه السلطة للحزب الفائز بالأغلبية ولرئيس الحكومة الذي يعينه، أيّا كان ذلك الحزب .

       وما كان لكلام الغنوشي أن يُحدث الصّخب الذي تلاه، لولا رمزيته السياسية وموقعه في الدولة وما يتبعهما من مناكفات حزبية وتصيّد لعباراته، لشحن لا يتوقّف لبطاريات منصات مهاجمة حزب النهضة.  فقد عبّر الأستاذ عياض ابن عاشور على سبيل الذكر لا الحصر، عن نفس الرأي، وبتعبير المختصّ في القانون الدستوري، في حوار معه بجريدة “الصباح الأسبوعي” ليوم الإثنين 11 جانفي 2021. فقال بأنّ
 هنالك مشكلة في نظامنا السياسي “وأنا كنت متردّدا بين نظام رئاسي أو نظام برلماني، والآن استقر رأيي على النظام البرلماني، الذي أعتبره الأنسب لتونس (…) ورئيس الجمهورية يمكن أن يُنتخب مباشرة ولكن يكون رئيس الدولة لا رئيس السلطة التنفيذية، ويكون دوره شرفيا تحكيميا، وهو المجمّع والموحّد في حالة الأزمة.”

        وليست ردود الأفعال المهاجمة للغنوشي والمتهمة له بمحاولة الانقلاب على رئيس الجمهورية، سوى تجليا جديدا لصعوبات المسار الديمقراطي ببلادنا، واستمرار البعض على نهج الإقصاء والاستثناء، الذي صادر حق حزب النهضة في المشاركة السياسية قبل الثورة، ولا يزال بعد 2011 يحتكر الدولة، وكأنّها “تركة”. ويعتبر وجود النهضويين بمؤسساتها “محاولة اختراق لأجهزتها”. وهذا جوهر الخلاف السياسي مع الإقصائيين فعلا، الذين يكثفون استهدافهم لوجود حزب النهضة  في مشهد الحكم، من خلال استهداف زعيم النهضة، الذين ضاقوا ذرعا بوجوده عل رأس أحد مراكز السلطة الرئيسية، منذ انتخابه من الأغلبية رئيسا لمجلس نواب الشعب.

       لم يكتمل تنزيل دستور 2014 في إرساء المحكمة الدستورية والهيئات الرقابية والتعديلية وفي مسار الحكم المحلي وتكريس اللامركزية والتشاركية في الحكم. ولم يُجرّب بما يكفي لاكتشاف عيوبه. ولا تتوفر الشروط الدستورية لتعديل الدستور بخصوص النظام السياسي الذي يشمل أبوابا وفصولا عديدة. فلا توجد المحكمة الدستورية التي تجيز التعديل من قبل ومن بعد. ويستحيل وجود أغلبية الثلثين المطلوبة لإقرار التعديل، في ظل المشهد البرلماني المتشظّي والمحكوم بالتجاذبات الحادّة. ولذلك تبدو التصريحات حول النظام السياسي الأفضل، مهما كانت توجهاتها، ومهما كان أصحابها، مجرّد آراء. ولا يبدو تعديل  الدستور من أولويات مرحلتنا.

       ليست المشكلة في النظام السياسي، الذي لا تخفى بعض مآزقه ولا في بعض فصول الدستور التي يعلم كافة المتابعين أنّها “قٌدّت على المقاس”. فقد اختار المؤسسون الانطلاق من “ورقة بيضاء”، وحضرت الفرضيات الذهنية في تحمل المسؤوليات وتوزيع الصلاحيات. وكانت مناكفات المرحلة التأسيسية وموازين القوى ورهانات الظرف ضاغطة في إقرار دستور نال موافقة تقترب من الإجماع البرلماني. ويبقى من المهم التذكير بمناسبة ما نحن بصدده، أنّ من اكتووا بنار النظام الرئاسوي والحكم الفردي، في المرحلة البورقيبية والنوفمبرية، وناضلوا من أجل الديمقراطية في الزمن الصعب، وشكّلوا أغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، هؤلاء حقّ لهم توزيع الحكم مركزيا بين قرطاج وباردو والقصبة، وتوزيعه أفقيا عبر الفصل السابع من الدستور المتعلق بالحكم المحلي. ولعلّ ما عشناه بعد 2014 من مخاطر أو نزعات رئاسوية أو انفلاتات في الأقوال أو القرارات في قرطاج خاصة، تجعلنا أكثر ارتياحا لما اخترناه من نظام سياسي، يناسبنا  أكثر من غيره، وقد لا يكون الأفضل في المطلق.

       ويبقى المؤكد في ضوء تجربة عشرية الثورة، أنّ مشاكلتنا في الأغلب لا تتصل بنظام الحكم بل بالحكم نفسه. فنحن نعاني منذ 2011 من فراغ في الحكم يغذّي الطموحات والأطماع  والأجندات الشخصية الداخلية والخارجية. إذ لا توجد قوة سياسية تحظى بأغلبية واضحة، وإن فازت بالمرتبة الأولى في أية انتخابات. وقد زاد تأخّر المصالحة المتأكدة بين الدستوريين والإسلاميين، في استمرار هذا الفراغ. فهم المرشّحون قبل غيرهم لملء الفراغ، وأن يكون توافقهم عنوان حكم مستقرّ، اعتبارا لتمثيليتهم غير الخافية. ولكن المشكلة الأهم تظلّ في عدم القبول بنتائج الانتخابات التعددية والنزيهة، وحرمان الأحزاب الفائزة من الحكم، وعدم الانسجام بين الأغلبية البرلمانية والتشكيلة الحكومية. فاسم تحييد وزارات السيادة، وباختيارات موجهة للشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة، وبتبخيس الأحزاب وشيطنتها، وتحت عناوين مختلفة يتم في كل مرحلة استبعاد من ينتخبهم الشعب ويسلّم الحكم لمن لم يتقدموا للانتخابات أصلا.

       كم تبدو الفوضى السياسية العارمة والعامة، هذه الأيام وفي مواقع الحكم المختلفة، مُحزنة ومُحيّرة. ولكن يظلّ الأمل قائما في تغليب العقل على الانفعالات ، وفي تقديم المصلحة الوطنية على الأجندات الشخصية والحزبية. والأحمق من لا يستفيد من تجارب غيره، ولا فائدة من ندم يأتي بعد فوات الأوان، ممّن تُتاح لهم فرص تاريخية، كالتي نعايش، فيخطئون الأهداف والأولويات والوسائل، بل قد يختلط عليهم الصديق والخصم.

محمد القوماني

*منشور بجريدة الرأي العام، العدد 192، تونس  في  04  فيفري 2021  

   

    0 Comments

    No Comment.